عبد الله بن محمد المالكي
160
رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم
ظالمهم ، والأخذ من شريفهم بالحق لخاملهم . وقد رجاك أمير المؤمنين لذلك لفقهك وعدلك وخيرك وحسبك وعلمك وتجربتك . فعليك باتقاء اللّه عزّ وجلّ وحده لا شريك له ، وإيثار الحق على ما سواه . وليكن جميع الناس : قويّهم وضعيفهم ، في الحق ، عندك سواء » . فأقام قاضيا إلى سنة اثنتين وثلاثين ومائة ، وفيها زال ملك بني أمية ، فعزل عن القضاء إذ كان من قبل مروان . وولي بعده أبو كريب ، وكان فاضلا ورعا . قتلته الصفرية سنة أربعين ومائة « 58 » ، حين تغلبوا على القيروان وملكوها . فلما رأى ذلك علماء إفريقية بعثوا إلى المشرق [ جماعة من شيوخهم ] « 59 » إلى أبي جعفر المنصور ، وكان رئيسهم ابن أنعم ، مستغيثين به ، فوجه معهم محمد بن الأشعث بجيش كبير ، وأمره إذا وصل وملكها وأخرج البربر منها ، أن يولي عبد الرحمن بن أنعم قضاء إفريقية . وفي هذه السفرة سمع سفيان الثوري من ابن أنعم وكبار أصحاب أبي حنيفة وابن أبي زائدة « 60 » . وأجمع أهل القيروان على ولايته ، لما علموا من دينه وفضله وزهده . فسار فيهم بسيرة أهل العدل ، وأقام فيهم الكتاب والسنة . ولم يزل على ذلك حتى جرى له مع يزيد بن حاتم ما جرى ، فترك القضاء ورحل عنه إلى تونس . ولم يزل معظما في صدور الناس رفيع القدر عندهم حتى توفي ، رضي اللّه تعالى عنه . وسبب موته « 61 » ، فيما ذكر أبو العرب ، أنه أكل حيتانا درنية « 62 » وشرب لبنا على
--> ( 58 ) سيذكر المؤلف في ترجمة أبي كريب ، أن قتل أبي كريب من طرف الصفرية كان سنة 139 ه . ( 59 ) العبارة الموضوعة بين معقفين أضافها ناشر الطبعة السابقة ليستقيم السياق . ( 60 ) هو يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة الهمداني ، الكوفي . أبو سعيد . معدود في طبقات كبار المحدثين وفقهائهم وبعضهم يعده في أصحاب أبي حنيفة . توفي سنة 184 . ينظر : تهذيب التهذيب 11 : 208 ، الجواهر المضية 2 : 211 . ( 61 ) النصّ في الطبقات ص 29 وله رواية أخرى عند الرقيق ( تاريخ إفريقية ص 168 ) ونقله ابن ناجي عن المالكي باختصار شديد . المعالم 1 : 237 . ( 62 ) في الأصل : درنيا . والكلمة ساقطة من رواية الطبقات . والراجح أنه نوع من الحوت البوري ينسب إلى درنة بلدة بين طبرقة وباجة . ينظر مسالك البكري ص 57 . ونقل دوزي ( ملحق القواميس : درن ) عبارة الرياض بدون أن يعلق عليها أو يحاول تفسيرها .